top of page

نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ

Updated: Feb 25, 2025

ليس من المعتاد أن أصرح عن نفسي وأعرض تجربتي ولكنني سئمت من الاقنعة الملونة بألوان الطيف، الأحمر حتى أخفي به غضبي والبرتقالي يخفي مشاعري، الأصفر حتى يخفي الخوف بداخلي، الأخضر يخفي الحزن، الأزرق يخفي خجلي والنيلي يخفي كوابيسي في منتصف الليل، ولكن القناع البنفسجي الممزوج مع الابيض وكأنما الالوان سوف تتلاشى في لحظة؛ اللون الملكي يخفي حالة الاكتئاب الشديدة التي أعاني منها..


نعم أنا مريضة روحيا وهذا الأمر لا أعتبره مستنكر؛ فليس على المريض حرج بأن يتكلم عن ذاته ويلهم الاخرين بتجربته الراسخة.. القاسية، عانيت من هذا المرض منذ صغري فلم أكن أفهم سبب اختلافي عن الاخرين، ولكنني شعرتُ بذلك من حيث معاملتهم الغريبة لي، كل المعلمات يراقبون تصرفاتي بشدة مع أني كنتُ أفكر بأنهم حريصين على استيعابي لدروسهم، لكنني أتذكر تلك المعلمة التي أجبرتني على الدخول إلى مكتب مديرة المدرسة، وكانت تلك الباحثة الاكاديمية المختصة في شؤون الاطفال الذين يتميزون بالمواهب موجودة معها، كانت تجلس أمامها عندما دخلت المكتب؛ جلستُ معهم وكنتُ خائفة ولكن الباحثة حاورتني بالاسئلة حتى تكمل بحثها في الورق، من ضمنهم:


  • لماذ تحبين التلوين بألوانٍ غامقة؟

  • ما سبب تعلقك بالقطط؟

  • لماذا تحبين أكل البيتزا كل يوم؟


والعديد من الأسئلة الهزلية، ووقتها كنتُ أظن بأنهم سوف يسألون العديد من فتيات الفصل لكن لاحقًا تأكدتُ بأنني الوحيدة.. أحسستُ بأنني منبوذة.. مختلفة.. نعم جعلوني أشعر بأنني غريبة بالفعل.


أتجهتُ للمنزل وتعرضتُ لصداع قوي في رأسي، بدأتُ أسمع الاصوات وتتكرر عندي بعض الكلمات، كلما شاهدتُ لقطةً في التلفاز وأسرح بشيء معين بها، يظهر هذا الشيء فجأة أمامي ويتكاثر حتى أنزعج من ضيق المكان وأرحل، كل رسمة أرسمها تتحرك.. وجوهٍ تناظرني وتبتسم.. كرهت الرسم، كرهت التلفاز وكرهت فكرة الصوت والصورة.


هل كانت تلك أعراض العين؟ لما لا.. كانت هذه الفترة الصعبة نفسها التي حصلتُ بها على شهادة تقدير من وزير الثقافة لأنني رسمتُ مقصف المدرسة بإتقان وبنوع من الخيال، أستخدمتُ ألوانٍ غريبة للزي المدرسي وبعض من الكائنات الغريبة حولنا كما كنتُ أراهم.. لم أكن متخيلة الامر ولا متوهمة ولكنني للأسف كنتُ أتدرج في أعراض المرض الروحي.


واذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعَذَابٍ


المرض مذكور في القرآن، الشيطان يجري من مجرى الدم في الجسد، والمرض الروحي يتخبط بالانسان ويجعله يخسر حياته تدريجيًا، خسرتُ التركيز وعانيتُ من السرحان، صديقاتي يبتعدن عني ويطلقون علي لقب الغريبة لأنني أتحدث معهم عن كل المخلوقات الأخرى الذين يظهرون أمامي في الأحلام واليقظة، لم أكن مدركة أو حتى في حالة الوعي لأفهم تفسير تصرفاتي، كنتُ فقط اتكلم بلا توقف واشرح كل حدثٍ غامضٍ يحصل من أمامي، من تكرار الاحداث مثل حالة " الحاسة السادسة " ومن قدراتي الغريبة، ارتباطي مع الطاقة الذهنية؛ الفكرية والفنية في كل الرسومات الغير مفهومة وكأنها من عالمٍ متوازن بعالمنا او من الفضاء الخارجي..


شعرتُ بالوحدة لأنني كنتُ مختلفة، عانيتُ من ضعف البصر.. ضعفٌ في السمع وفي النطق، كنتُ أعاني من كل شيء وجعلتُ أبي وأمي يعانون معي، لكل جلسة مع الدكتور المختص بالاذن او العين او حتى النفسي للتخلص من القلق الاجتماعي والخجل الشديد، لم أحصل على تفسير لمرضي الغريب ولكن أمي تأكدت بأنني أعاني من مرض روحي.


المرض كان بسبب تفاقم مركز الغدة الصنوبرية في منتصف جبهتي، بسبب العزلة والشعور بالنقص؛ كرهتُ أن اتواجد حول البشر، أصبحت القطط هي كل عالمي وبعض من الحيوانات كالارانب والعصافير، هروبي الدائم من الواقع ولجوئي للطبيعة، كرهتُ مدرستي وقتها؛ أصبحتُ أذهب إليها مجبورة حتى أكمل تعليمي، كنتُ أجلس بمفردي كل يوم.. وأتعرض للتنمر من البعض، وهناك فتاةً واحدة أرادت أن تدافع عني، وأعتبرها ملاكي في كل مرةٍ أتذكرها، كانت تحميني منهم وجعلتني أستعيد ثقتي بنفسي، أستمرينا في صداقتنا إلى الصف السادس ومن بعدها أصبحت تبتعد عني مثل الأخريات، ورجعتُ للوحدة.. للشعور المؤلم بأنني غير مرغوبة.. هل كان للمظهر دور؟ لأن وقتها كنتُ أعاني من السمنة، وصلت لسن الرابعة عشر عامًا ولكن من يراني يفكر بأنني في الأربع والعشرين، كرهتُ جسدي.. كنتُ أبكي كل يوم، فكرتُ بالأءية النفسية، أول مره في سن السادسة عشر، بسبب إرتفاع عدد المتنمرين، من كانوا يرمون الكرة على رأسي، ويشدون بشعري ويرموا بي على الأرض، كنتُ هادئة في المنزل.. لا أتكلم ولا أشتكي.. اضحكُ كثيرًا من غير التعبير بالكلمات.. لم أكن سعيدة من الداخل، وخجلي يحتويني ويجعلني أشعر بأنني بالفعل غريبة وانطوائية.


في سن الثامنة عشر عانيت من تفاقم مركز العجز، كنتُ أتمنى الزواج في أقرب فرصة، وأوهم نفسي بأنني واقعه في الحب وبأن فارسي سيخطفني لعالمه، أصبحتُ أكتب الروايات الرومانسية ولم أخجل منها وكان أبي يأخذ بالاوراق المطبوعة إلى المكتبة حتى يصبحوا مجلدات أحتفظ بهم مثل الكتب، وبنفس الوقت كان يراقبني بشدة؛ إذا بالفعل إلهام كل تلك القصص تتعلق بشخصٍ ما.. وعندما تأكد من الأمر بدأ يتقرب مني أكثر وينصحني، لهذا السبب أحببته بشده، لأنه يفهم معنى تحول الفتاة إلى أمرأة ناضجة وتغيير في مزاجها أو حتى احلامها، أرشدني حتى أؤجل الدراسة في الكلية وأبدأ في الوظيفة، وعملتُ في العديد من الأفرع في البنوك المصرفية، كنت لا أطيق الالتزام بالوقت، لا أطيق الاوامر.. طموحي الوحيد أن اصبح في المنصب الذي يندمج مع طبيعتي.. وكان أبي حريصٌ بأن أكون منشغله في حياتي العملية ولا ألهو مع الصديقات، والفضل يعود إليه لأنه كان يحميني من بعضهن وابعدني عنهن؛ كانوا يحاولون أن يدمروا حياتي البريئة، أو بالأحرى كانوا يريدون سلب مني الطاقة الايجابية حتى أكون سلبية مثلهم، لا طموح ولا احلام، مجرد موظفات.


وأعلم بأنهم يضحكن علي الان.. لانني طردتُ من كل وظيفة بسبب استحواذ المرض الروحي؛ فكنتُ في البداية أعاني من نقص مركز الجذر.. كذلك كان القلب يتعبني ودقاته تضعف بداخلي والاكسجين ينخفض في رئتي، لانني أوهمتُ نفسي بأنني على مايرام، ولكنني متعذبة مع كل الاعراض النفسية.. والجسدية معًا.


توفى أبي وأنا أبلغ من العمر أربع وعشرين سنة، وكان هو الشخص الوحيد الذي يعلم بحالة روحي، المرض الذي أعاني منه وأخبرني قبل وفاته.. وكان ينظر إلي بنوع من الشفقة:


" إذًا استمري في العيش معي .. سوف أصرفُ عليكِ وأحرص بأنك سعيدة بدون أحد، ولكن أريد منكِ الوعد! بأنك سوف تتعالجي من هذا كله وترجعي للقرآن لانه دوائك الوحيد، حتى تسترجعي حياتك "


حديثه معي كان في سبتمبر ٢٠١٢ لهذا السبب أخترت أن اطرح قصتي في هذا التاريخ لليوم: ١ سبتمبر ٢٠٢١


نظرتُ إليه وبدأت عيني تدمع، كنتُ أشعر وقتها بأنني سوف أفقده في أي لحظة لأنني مدركة بأن هذا المرض يبعدُ عني كل شخص يحتويني ويشعرني بدفئه، وكان أبي وقتها يصارع مع مرض القلب " مركز القلب هي المركز في الجسد والشر يستحوذ لذلك المركز بشدة "


أبي أراد الابتعاد عن الكل فجأة، وأصبح منعزل؛ قبل وفاته بستة أشهر، وكنتُ دومًا احرص على لفت انتباهه؛ هو يكره القطط فكنتُ أتعمد على جلب العديد منهم داخل المنزل حتى يغضب ولكنه كان عكس ذلك، كان يفرح بتواجدهم ويلعبهم، ويعاتبني لو أهملهم، تغير ١٨٠ درجة، أصبح متوازن بين طيبته وغضبه، ومع الوقت لاحظته يتحدث عن النهاية.. وكنا نتكلم مع بعض ونتناقش في امورٍ عدة، وفي كل مره يهديني كتيبٌ صغير عن الامراض الروحية او الافكار الفلسفية او حتى الاديان والاحداث التاريخية، أبي كان في بعدٌ آخر.. صحوته الروحية كانت واضحه.. وللاسف أهمل قلبه وكان يهتم فقط في صحته وغذائه.. بسبب تأثير العزلة.. ويتفاقم الحزن ويبدأ الانسان يقترب من الأجل.


وبالفعل.. أبي كان يعاني من تفاقم مركز التاج.. متفاخر بنفسه ويظهر قوته دومًا، ولا يجعل للمرض فرصه ان يستحوذ عليه، ولم يعلم أحدًا بالأمر حتى تعرض لسكتة قلبيه وتوفى في عمر أربع وخمسين في ديسمبر ٢٠١٢


هو مولود في سنة ١٩٥٨ وأنا في ١٩٨٨ وأدركُ بأن بيننا ثلاثين سنة، وعشت معه فقط ٢٤ سنه وهذا السبب الاول في حزني الدائم.. فقدتُ أعز صديق!


عندما أصبح عمري خمسة وعشرين سنة؛ وضعت العديد من الأهداف أمامي، لمدة خمس سنوات:


  • أن أحقق حلم والدي وأصبح كاتبة

  • أن أفتح مشروعًا يتعلق بالشيء الذي أحبه

  • أن أكمل تعليمي الاكاديمي


وبالفعل في سنة ٢٠١٤ فتحتُ أول مشروعٍ لي، واقتحمت عالم التجميل والتجارة وأنجزنا عروض أزياء في امريكا بالتحديد في ولاية شيكاغو، ومشروعي الثاني؛ ماركتي التجميلية الخاصة، وكنت أدير مواقعي للشراء ولدي العديد من الزباين، أكملتُ تعليمي الاكاديمي وحصلتُ على شهادتي الاكاديمية الاولى كأخصائية تجميل وبشرة في ٢٠١٨.


وحققت حلمي الأول في سنة ٢٠١٩ عندما طبعت روايتي الأولى " زمرد المايا " التي تتحدث عن تجربتي الخاصة مع المرض الروحي في إطار خيالي، وفي البداية كنتُ أتجنب الحديث عنها لانني حاولت إخفاء هذا الجزء مني، ولكن اليوم أنا مدركة بأن هنالك العديد من الفتيات في عمر الزهور وشابات ونساء يعانون من العين.. الأمراض الروحية وكل الامراض النفسية او العقلية المرتبطة مع الروح والنفس المريضة.


وروايتي الثانية أطلقتُ عليها " الجوهر " وأقصد جوهر الانسان في روحه، حقيقته.. وأصله، وهذه الرواية أعتبرها الجسر بين حياتي المادية والروحية، وقتها كنتُ أتأمل كل يوم أثناء كتابتها وكنتُ ادرس عن الفلسفة والميتافيزيقيا، وأبحث عن كل الأساطير الغريبة، وكنتُ أريد التميز في مجالي فأصبحت مختصة في قصص الخيال العلمي.. المرعب والغامض.


تعمقتُ مع دراسات الوعي واخترت مجالٍ يجعلني أشعرُ بأنني أنا من غير أقنعة.. الوعي الذاتي.. والصحوة الروحية، درست عن مراكز القوة السبعة ورجعتُ للطب القديم، وبحثتُ عن كل الأمور التي تحتويني، وكنت أعالج ذاتي من غير أدوية، أصبحت أقرب للرب سبحانه.. أقرأ في كتابه كل يوم وأتطرق في قراءة الكتب الفلسفية حتى أصل للحقيقة، فلجأت للعديد من المرشدين في هذا المجال حتى أصل لجزءٍ بسيط من حقيقة الذات.


أحببت نفسي مع الوقت وتقبلت عيوبي.. وقلبت غضبي لقوة.. وعاطفتي لثقة.. وخوفي لشجاعة.. وحزني لفرحة.. وكوابيسي لبصيرة.. بالذات إنني قلبت الاكتئاب والعزلة إلى تميز ونجاح.


تقبلت مرضي.. بالفعل هنالك بوابة داخل جسدي، جعلتني أتعرض للعديد من الامراض الروحية، وهذه البوابة كانت بسبب ضعف إيماني ونقص الطاقة، الشر أراد أن يمتلك روحي أكثر من مره، كان يحاول أن يسحبني من الاعلى للاسفل، ومع صحوتي أدركتُ بأنه مختلفٌ عن الجميع، نفسٍ تأمرنا بالسوء، تبعدنا عن الخير والنور وترمي بنا للظلام والتهلكة؛ كما يعيش الشر في ظلامه.. كما يعاني مع ذاته.. الانا.. يتميز بالغرور ويتكبر على الجميع.


إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ


أنتم يا اعزائي معجزة الهية.. انتم الاقوى والابقى..

تخلصوا من كل التبريرات في حياتكم واستقروا في الصراط المستقيم، لأنني شخصيًا أحب أن أدرك هذا الأمر مع توازن المراكز السبعة في الجسد؛ عندما نغفر لكل شخص.. ونسامح.. ونتصالح مع طفلنا الداخلي، ونبتعد عن الحسد والحقد، عن الغضب والحزن وكل الخطايا السبعة، سوف ندرك أرواحنا، ونبحث عن ذاتنا، ونتطور..


أنا كنتُ أعيش في ظلامي، وخرجت منه للنور بداخلي

وأصبحتُ مدركة بأنني مجرد انسانه تحاول الوصول لخالقها في هذا العالم المادي، تحاول أن ترجع لاصلها الجوهري، وهي الروح.


اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ


الروح؟ هي تلك التي تتجول في أحلامنا وكأنها تبحث عن مفر، تريد ان تعيش في كل الازمنة، لانها لا تموت ولا تنام من الاصل، لهذا السبب تتجول كل يوم، أدركتُ بأنني اشاهدها في احلامي ولم أكن أفهمها.. لذلك السبب رغبتُ أن اتواصل معها، ففكرت في تلك الخطة.. سوف انتظرها في منامي القادم، وعندما حانت اللحظة اكتشفتُ حقيقتها.. هي من الاساس.. أنا.


يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي



نور 💎 بريق النور



 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
Post: Blog2_Post

©2024 by Glimmer Of Light | Proudly created with Wix.com

bottom of page